الحارث المحاسبي
170
الرعاية لحقوق الله
باب بيان منازل المصرّين المقيمين على الذنوب وذكر ما يبعثهم على التوبة ، وقطع التسويف قلت : فما منزلة من لم تطب نفسه أن يقلع عنه ولا يتوب ، وغلبته نفسه ؟ قال : أولئك في ثلاث منازل : فأهل المنزلة الأولى : مقيمون على الذنوب ، طالبون للتوبة على غير حقائقها ولا استتمام طلبها ، يبكون ويتضرعون ، ويتفكرون في الوعيد والعذاب ، رجاء أن تسخو نفوسهم بالتوبة ، ويأتون مواضع الذكر ، فيتفكرون فيما يسمعون أو لا يأتون مواضع الذكر ، ولكن يتفكرون فيبكون ويتضرعون ، فيملّون ولا يدمنون على التخويف لأنفسهم ، إلى وقت هيجان الخوف المنغّص لهم لذّات ذنوبهم ، فلا يدمنون على ذكر إدمانا يبلغون به من الخوف ما يبعثهم على التوبة ، وتسخو أنفسهم بترك المعصية ؛ لأن النفس والعدو إذا أدمن العبد في طلب الخوف ، دعواه إلى الملال والسآمة والإعراض عن الفكرة ، فتستثقل النفس ذلك ، لما غمّها من الخوف ، ولما تخاف من تنغيص لذّتها عليها ؛ فإن كان عبدا عاقلا عازما لم يمل وأدمن الفكر حتى يقوى منه الخوف ويترك ما كره اللّه عز وجل ؛ ويقطع التسويف للتوبة . وأهل المنزلة الثانية : ليسوا بأصحاب فكرة لطلب الخوف ، ولا تسخو نفوسهم بذلك ، إلا أنهم يكرهون ما هم فيه ويغتمون لذلك ، ويسألون اللّه عز وجل النقلة ، ولا ينوون المقام على الذنوب حتى يموتوا ، ولكن يسوّفون التوبة